محمد سهل جالو : قلة الكُتَّاب المستعربين في غامبيا أسباب وحلول

26196813_1567323853362740_864063128_n

إن النَّاظِر في ساحة الدراسة العربية الإسلامية في غامبيا، يَجِد أن هناك قِلَّة ونُدْرَة من وجود كُتَّاب وبَاحِثِين مُتَخَصِّصِين والذين يَتفَرَّغون ويُرَكِّزون على كتابة المقالات، وإعداد الأُطْرُوحات العلمية، والمشاركات البَحثِيَّة في مجالات علمِيّة عدِيدة، وبالأَخَصِّ انْعِدَام البحث والكتابة عن غامبيا وتُراثِها في كافة مَنَاحِي الحياة الدينية والإجتماعية والسياسية ونحوها في ساحةالمستعربين.
فنتج عن هذا الواقع المرير، التراجع العلمي والثقافي، والتقهقر المعرفي والتراثي لدى جل طلبة العلم والمثقفين المستعربين، “إذ أن العلم صيد والكتابة قيده”، حتى إذا أراد الباحث الكتابة عن غامبيا وتراثها، فلا يكاد يَجِدُ مراجِع وافية للموضوع اللهم إلا في الكتابات العامة عن أفريقيا والتي تُنسَب لكتَّاب الدول الأخرى، كالسنغال، وغينيا، ومالي وغيرها…. وأنا شخصيا وقعت في هذا الفخ مرات وكرات، فأبحث في الإنترنت فلا أجد سوى ما كتب بالإنجليزية، وقد يُصدِّقُ هذا طلاب الجامعة مِمَّن أَضْحَوْا ضَحِيِّة لهذا الأمر حين يُكلَّفون بالبحث والكتابة عن ما يتعلق بغامبيا فلا يجدون مراجع…. فما الذي يا تُرى حال دون ذلك حتى جعل الكثير من دارسي العربية في غامبيا يُوَلُّون الأدبار عن البحث والكتابة..؟!!
وما هي الحلول المُقْتَرَحَة التي تُشَجِّع الدارس على الاهتمام بالبحث والكتابة حتى يَرتَقي المستوى الدراسي العربي في غامبيا إلى القِمَّة.

أسباب هذه الظاهرة:
هناك أسباب في رَأْيِي تَحُولُ دون وجود كُتّاب وباحثين كُثُرْ مُجِيدين ومُتْقِنين في مجال التعليم العربي، ولعل تِلْكُمُ الأسباب ترجع إلى الآتي:

١-ضُعف المناهج الدراسية في جانب مادتي الإنشاء والمطالعة:
إن الأدهى والأمَرّ في غامببا ضعف المناهج الدراسية العربية خصوصا في مادتي الإنشاء والمطالعة واللغة العربية، حيث أنَّ النَّاظِر يَجِد أنها لم تَحْظُ بالعناية التي تَسْتَحِقُّها، فهي ليست هنالك إلا دراسات نَظَريَّة بَحْتَة خالية من التطبيق، لذا عَكَسَ عن هذا ضُعف معظم المتخرّجين في جانب اللغة العربية، وفنّ البحث والكتابة الحُرّة.

٢- قلّة الدوافَع، والحَوافِز المعنويّة والماديّة من قبل المسؤولين:
لا يَخفَى على أحد من أنَّ الدراسة العربية عموما لم تَلْقَ العناية التي تَليقُ بها من قبل المسؤولين الحكومِيِّين ماديا كانت أو معنويا، وذلك لأن الجهات الحكومية المسؤولة قلَّلت من شأن الدراسة العربية، وحَرَمَها من الامتيازات التي تَتمتَّع بها دارسي لغة المُسْتَعْمِر، لذا فإننا نجِدُ أن الجهود التي حَظِيَتْ بها الدراسة العربية تكاد تكون جهودا فردية خالصة، وهذا بالطبع ما جعل التَحْفِيز والتشجيع في مجال البحث والكتابة بالعربية بَطِيئا وضَئِيلا.

٣- ضُعف الهمَّة، والخُلُودُ للرَّاحَة والدَعَة لدى الطلبة.
مما يُلاَحَظ عند كثير من الطلبة والمثقفين المستعربين، عُزُوفُهم عن البحث العلمي والمطالعة الحرة، وإِنْآَئُهُم بأنفسهم عن كتابة المقالات والخطابات العلمية، وذلك كله ليس إلا كسلا وخُمُولا من عند أنفسهم، حيث أن البحث والكتابة يحتاج إلى جهد جَهِيد ومشقة كبيرة في التفكير والتدبر لجمع المعلومات، لذا فإنهم يعتزلون عن هذا الميدان إلى الدراسة الحِفْظِية النظرية البحتة والتي لا تقوِّي مَلَكَة الطالب الفِكْرية، ولا تُكْسِبُه مهارة الكتابة إطلاقا.

٤- الاِسْتِسلام للبِيئَة العلمية في المدارس والتي لا تشَجِّع على البحث والكتابة:
إن كثيرا من بيئات المدارس العربية في غامبيا، لا تشجع على البحث والمطالعة فَضْلاً عن الكتابة، فليس هناك -مثلا- مرحلة من المراحل التعليمية الثلاثة -الابتدائية، والإعدادية، والثانوية- حيث يُكلَّفُ الطالب بالكتابة عن ما لا يَقِلُّ عن مائة كلمة فضلا عن ثلاثمائة أو خمسمائة، بينما يوجد ذلك في المدارس الإنجليزية ففي المرحلة الإعدادية ٣٠٠، وفي الثانوية ٥٠٠ كلمة على الطالب كتابتها، وغياب مثل هذه التطبيقات في الساحة العلمية يَنْعَكِس سلبِيًّا في مستوى الطالب الذي يَترَبَّى في كَنَفِ هذه البيئة العلمية، إذ أنَّ الإنسان ابن بيئته.

٥-شَحْنُ أذهان الطلبة بأفكار لا تَمَتُّ إلى المنهج الدراسي الناجح بصلة البَتَّة:
هناك عَقْلِيَّة سائِدَة وفكرة مَرْكوزَة في أذهان الناس، وهي أن الدراسة العربية، هي عبارة عن حفظ لِلنُّصوص فحسب، وليس هناك داع لِإٍعْمال الفكر والعقل لِلاِسْتِنْتَاج، ولا يحتاج إلى الفهم، فقط إحفظ لتَنجَح في الامتحان، وهذه العقلية خاطئة، ومُعَوِّقة لتَرقِيَة المستويات والتجديد فيما له مجال للتجديد وإعمال الفكر، حيث أن الدراسة العربية بالمفهوم الصحيح لا تقتصر فقط على الشرعيات، بل هو منهج دراسي متكامل يشمل كل مناحي الحياة الدينية والإجتماعية والسياسية لقوم معين في بلد معين والذي من خلاله يُتصَور المسيرة المستقبلية لأجيال هذه الدولة، فإذا فسدت الدراسة فسد مستقبل الشعب المسلم في هذه البلاد.

لحُلُول المُقْتَرَحَة للتَّصدِّي لهذه الظَاهِرَة:
يمكن اسْتِخْلاص الحُلُول من خلال ما سبق ذِكرُه من الأسباب على النحو الآتي:

١- ترقية مستوى المناهج الدراسية في جانب الإنشاء والمطالعة خصوصا، وفي اللغة العربية عموما: وذلك بإِضْفَاءِ الطَّابِع التَطْبِيقي على دراسة هذه المواد وأن لا تكون نظرية فحسب، وإعادة النظر في تقرير دراسة مادة الإنشاء والمطالعة بكيفيات مختلفة ناجحة حتى في المرحلة الثانوية، فمثلا في الابتدائية يُعلَّمُ الطالب كيف يكتب مقالة عن ما لا يقل عن مائة كلمة، وفي الإعدادية ثلاثمائة، والثانوية خمسمائة كلمة وهكذا، ويكون هذا على التوالي وبمتابعة المُدرِّس المنوط لتدريس المادة.

٢- إيجاد حوافز مادية للراغبين في الكتابة والإنشاء والإبداع، وتشجيعهم معنويا على السَّعْيِ قُدُمًا للبحث والكتابة: فلا يُنْكَر الجهود الفردية الجَهِيدَة من قِبَل بعض العلماء والمثقفين المستعربين في النهوض بمستوى الدراسي العربي، إلا أن مجال البحث والكتابة ما زال بحاجة إلى مزيد من التشجيع والتحفيز من قبل مسؤولي المدارس، لذا، فإنه من الأهمية بمكان، قيام الجهات المسؤولة عن الدراسة العربية بإجراء مُباحثات ومحاولات لتَوْعِية الحكومة عن أهمية الدراسة العربية، وحاجتها لدعم الحكومة المادي والمعنوي، لتلعب دورها في إبقاء والحفاظ على التراث الثقافي الوطني، والهوية الدينية الإسلامية.

٣- علو الهِمّة، والتَسَلُّح بالعزيمة الصادقة، والتطلع نحو المعالي: فإنَّ ممّا يَجْدَر بطالب العلم والمُثقَّف أن يكون ذا همة عالية، لا يرضى لنفسه بالعكوف على المراتب الدَنِيَّة، بل يكون دوما مُتَطَلِّعا نحو معالي الأمور، ويَطْمَعُ ويُشَمِّرُ عن سَاعدِ الجِدِّ للوصول إليها، ومجال البحث والكتابة يُعتبر مجالا عالي القيمة وعَصِيبًا أيضا، حيث يحتاج إلى إعمال الفكر والعقل، وتَكْرِيسُ الجهود مرة تلو الأخرى في سبيل التوَصُّل إلى نتائج نَزِيهَة وبَنَّاءَة يُستَفاد منها.

٤- مُلازَمة ومُتابَعة الباحثين
والذين لهم همم عالية في البحث
والكتابة، والاستفادة من تجاربهم ومقالاتم العلمية: وهذا أمر ضروري للذي يريد التوَغُّل في هذا الباب، فلا بد من إدامة وإمعان النظر في مقالات الكَتَبَة المَهَرَة، ومحاولة فهمها وحفظ بعض العبارات منها ليسهل الانطلاق نحو كتابة المقالات القصيرة أولا ثم الطويلة، ومن ثم الأطروحات العلمية، وأخيرا إلى المشاريع البحثية وهكذا.

٥- مَحْوُ الأفكار القائلة بأن الدراسة العربية عبارة عن حفظ فقط في أذهان الناشئة: وهذا الأمر يَجْدر وضْعُه في الحُسْبان، ليتم تَدَارُكُه عاجلا بتوعية الطلبة في مختلف المراحل التعليمية، وذاك دور الجهات المسؤولة والقائمين على المدارس العربية خاصة، والمستعربين في غامبيا عامة.

٦- تحديد المَسِيرُ التَّخَصُّصِي للطالب في الثانوية، وترك التَّشَتُّت العلمي: فإن من أكبر المعوِّقَات للِتَّمَكُّن في الكتابة، هو عدم جُنُوحُ الطالب نحو تَخصُّصٍ معين في المرحلة الثانوية، مما يجعله مُتَشَتِّتًا ومُتَشَعِّبًا في العلوم دون إتقان أيٍّ منها، اللهم إلا بعض الطلبة والذين لهم همم عالية، وجهود إضَافِيَّة، وسوابِق علمِيّة في ميدان الدراسة، وإلا فإن جُلّ الدارسين يَتخبَّطون خَبْطَ عَشْوَاء، ولا يعرفون ما يُتْقِنونه مما لا يٌتقِنون، وحتى إن كانت العلوم مُتَّصلة مع بعض، ولا يُستغنَى عن بعضها البعض، فإنه مع ذلك ينبغي تحديد المَسِيرُ التَّخَصُّصي للطالب في فن من الفنون قبل إكماله المرحلة الثانوية، إما في اللغة أو التاريخ أو التفسير أو الحديث وهلم جرا، حتى يَسْهُل على الطالب بناء شَخْصِيَّتِه العلمية مبَكِّرا في تخصصه الذي يَرْغب فيه، ومن ثم يَسْهُل عليه البحث والكتابة حول مجاله مستقبلا.

وأخيرا، هذه أفكار وجُملة من الحلول كانت تَرِدُني، أقدمها للباحِثين والمُهْتَمِّين بشؤون الدراسة العربية في غامبيا، مع يَقِينِي بأنها ليست على المستوى المَنْشُود، لكن يَكْفِيني أني طَرَقْتُ هذا الباب المُهمّ للباحثين، عَلَّهُم يَبْدَئُونَ كتابة المقالات والبحوث حول غامبيا في قادم الأيام، وأرجو أن تكون هذه الحلول نافعة لعلاج هذه الظاهرة التي لا تُحْمَد عُقْبَاه.

#الكاتب/ محمد سهل جالو بجامعة أفريقيا العالمية
الخرطوم — السودان.
التاريخ: 2017/12/31.